أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
104
العقد الفريد
مرزئة مال بلغك أني رزأته « 1 » أهل هذه البلاد ، وأيم اللّه لأن ألقى اللّه بما في بطن هذه الأرض من عقيانها « 2 » ومخبئها ، وبما على ظهرها من طلاعها « 3 » ذهبا ، أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه وقد سفكت دماء هذه الأمة لأنال بذلك الملك والإمرة . ابعث إلى عملك من أحببت ، فإني ظاعن ، والسلام . فلما أراد عبد اللّه المسير من البصرة دعا أخواله بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه ، فجاء الضحاك بن عبد اللّه الهلالي فأجاره ، ومعه رجل منهم يقال له عبد اللّه بن رزين ، وكان شجاعا بئيسا « 4 » ؛ فقالت بنو هلال : لا غنى بنا عن هوازن فقالت هوازن : لا غنى بنا عن سليم . ثم أتتهم قيس ، فلما رأى اجتماعهم له حمل ما كان في بيت مال البصرة ، وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف ، فجعله في الغرائر . قال : فحدثني الأزرق اليشكري ، قال : سمعت أشياخنا من أهل البصرة قالوا : لما وضع المال في الغرائر ثم مضى به ، تبعته الأخماس كلها بالطفّ « 5 » ، على أربعة فراسخ من البصرة ، فواقفوه ، فقالت لهم قيس : واللّه لا تصلون إليه ومنا عين تطرف . فقال صبرة [ بن شيمان ] ، وكان رأس الأزد : واللّه إن قيسا لإخوتنا في الإسلام ، وجيراننا في الدار ، وأعواننا على العدوّ وإن الذي تذهبون به من المال لو ردّ عليكم لكان نصيبكم منه الأقلّ ، وهو [ غدا ] خير لكم من المال . قالوا : فما ترى ؟ قال : انصرفوا عنهم . فقال بكر بن وائل وعبد القيس : نعم الرأي رأي صبرة واعتزلوهم . فقالت بنو تميم : واللّه لا نفارقهم حتى نقاتلهم عليه . فقال الأحنف بن قيس : أنتم واللّه أحق أن لا تقاتلوهم عليه ، وقد ترك قتالهم من هو أبعد منكم رحما ! قالوا : واللّه لنقاتلنهم ! فقال : واللّه لا أساعدكم على قتالهم . وانصرف عنهم .
--> ( 1 ) رزأ المال : أي أصاب منه شيئا . ( 2 ) العقيان : الذهب . ( 3 ) طلاع الشيء : ملؤه . ( 4 ) البئيس : الذي اشتدت حاجته . ( 5 ) الطفّ : ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق .